+ أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ: لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ.
+ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ: كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ.
+ خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا: كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا.
+ وَلا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ: لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ.
+ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا: لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.
+ Ⲡⲉⲛⲓⲱⲧ ⲉⲧϧⲉⲛ ⲛⲓⲫⲏⲟⲩⲓ̀: ⲙⲁⲣⲉϥⲧⲟⲩⲃⲟ ⲛ̀ϫⲉ ⲡⲉⲕⲣⲁⲛ.
+ Ⲙⲁⲣⲉⲥⲓ̀ ⲛ̀ϫⲉ ⲧⲉⲕⲙⲉⲧⲟⲩⲣⲟ. Ⲡⲉⲧⲉϩ ⲛⲁⲕ ⲙⲁⲣⲉϥϣⲱⲡⲓ: ⲙ̀ⲫ̀ⲣⲏϯ ϧⲉⲛ ⲧ̀ⲫⲉ ⲛⲉⲙ ϩⲓϫⲉⲛ ⲡⲓⲕⲁϩⲓ.
+ Ⲡⲉⲛⲱⲓⲕ ⲛ̀ⲧⲉ ⲣⲁⲥϯ ⲙⲏⲓϥ ⲛⲁⲛ ⲙ̀ⲫⲟⲟⲩ. Ⲟⲩⲟϩ ⲭⲁ ⲛⲏⲉⲧⲉ̀ⲣⲟⲛ ⲛⲁⲛ ⲉ̀ⲃⲟⲗ: ⲙ̀ⲫ̀ⲣⲏϯ ϩⲱⲛ ⲛ̀ⲧⲉⲛⲭⲱ ⲉ̀ⲃⲟⲗ ⲛ̀ⲛⲏⲉ̀ⲧⲉ ⲟⲩⲟⲛ ⲛ̀ⲧⲁⲛ ⲉ̀ⲣⲱⲟⲩ.
+ Ⲟⲩⲟϩ ⲙ̀ⲡⲉⲣⲉⲛⲧⲉⲛ ⲉ̀ϧⲟⲩⲛ ⲉ̀ⲡⲓⲣⲁⲥⲙⲟⲥ: ⲁⲗⲗⲁ ⲛⲁϩⲙⲉⲛ ⲉ̀ⲃⲟⲗ ϩⲁ ⲡⲓⲡⲉⲧϩⲱⲟⲩ.
+ Ϧⲉⲛ Ⲡⲓⲭ̀ⲣⲓⲥⲧⲟⲥ Ⲓⲏⲥⲟⲩⲥ Ⲡⲉⲛϭⲟⲓⲥ: ϫⲉ ⲑⲱⲕ ⲧⲉ ϯⲙⲉⲧⲟⲩⲣⲟ ⲛⲉⲙ ϯϫⲟⲙ ⲛⲉⲙ ⲡⲓⲱ̀ⲟⲩ ϣⲁ ⲉ̀ⲛⲉϩ. Ⲁ̀ⲙⲏⲛ.
+ بين يوت إت خين ني فيوئي: ماريف توڤو إنچي بيك ران.
+ ماريسي إنچي تيك ميت أورو. بيتيه ناك ماريف شوبي: إمإفريتي خين إتفي نيم هيچين بي كاهي.
+ بين ويك إنتى راستي ميف نان إمفوؤو. أووه خا نيإتإرون نان إڤول: إمإفريتي هون إنتين كو إڤول إنني إتي أوون إنتان إروؤو.
+ أووه إمبيرينتين إيخون إبي رازموس: الّا ناهمين إيڤول ها بي بيتهوؤو.
+ خين بي إخريستوس إيسوس بينتشويس: چي ثوك تي تي ميت أورو نيم تي جوم نيم بي أوؤو شا إينيه. أمين.
+ Our Father who art in heaven, hallowed be Thy name.
+ Thy kingdom come. Thy will be done, on earth as it is in heaven.
+ Give us this day our daily bread; and forgive us our trespasses, as we forgive those who trespass against us.
+ And lead us not into temptation, but deliver us from the evil one.
+ In Christ Jesus our Lord, for Thine is the kingdom and the power and the glory forever. Amen.
+ Vater unser im Himmel, geheiligt werde dein Name.
+ Dein Reich komme. Dein Wille geschehe, wie im Himmel so auf Erden.
+ Unser tägliches Brot gib uns heute. Und vergib uns unsere Schuld, wie auch wir vergeben unsern Schuldigern.
+ Und führe uns nicht in Versuchung, sondern erlöse uns von dem Bösen.
+ In Christus Jesus, unserem Herrn. Dein ist das Reich und die Kraft und die Herrlichkeit in Ewigkeit. Amen.
يرجى تدوير الجهاز للعرض
تُمثّل الصلاة الربانية (Πάτερ ἡμῶν ὁ ἐν τοῖς οὐρανοῖς) المركز اللاهوتي والروحي للعبادة المسيحية، وهي ليست مجرد نص يُتلى للبركة، بل هي دستور حياة متكامل يلخص العقيدة المسيحية بأسرها، ويوجه بوصلة العقل والروح نحو المقاصد الإلهية العليا. لقد وُثِّقت هذه الصلاة في الأناجيل القانونية في موضعين أساسيين، يحمل كل منهما سياقاً لاهوتياً وتعليمياً متمايزاً يتكامل مع الآخر ليقدم للكنيسة النموذج الأكمل للتواصل مع الخالق. يرد النص الأطول في إنجيل متى ضمن الموعظة على الجبل (متى 6: 9-13)، حيث يُقدم السيد المسيح الصلاة كجزء من التعليم الأساسي حول البر الحقيقي الداخلي الذي يتجاوز الممارسات المظهرية للكتبة والفريسيين، ويبدأ بالأمر التأسيسي القاطع: “فصلوا أنتم هكذا” (οὕτως οὖν προσεύχεσθε ὑμεῖς). أما النص الأقصر، فيرد في إنجيل لوقا (لوقا 11: 2-4) استجابةً لطلب مباشر من التلاميذ: “يا رب علمنا أن نصلي”، حيث يُقدمها كنموذج معياري للابتهال اليومي مبتدئاً بعبارة: “متى صليتم فقولوا”.
إن تأسيس هذه الصلاة لم يكن مجرد إضافة ليتورجية إلى طقوس العبادة في القرن الأول، بل كان نقلاً جذرياً في طبيعة العلاقة الأنطولوجية (الوجودية) بين الإنسان والله. يطرح القديس كيرلس الكبير (السكندري) في تفسيره لإنجيل لوقا (العظات 70-77) تساؤلاً لاهوتياً عميقاً حول طبيعة صلاة المسيح ذاته: كيف يصلي المسيح وهو الكلمة المتجسد (اللوغوس) الذي يمتلك كل ما للآب بالطبيعة، والذي قيل عنه “من ملئه نحن جميعاً أخذنا”؟ وتأتي الإجابة لتؤكد على مبدأ التدبير الخلاصي؛ فالمسيح يمارس الأعمال البشرية ويُكمل البر البشري ليعلم البشرية كيف تقترب من الله. صلاته هي فعل تعليمي متجسد، وكما يقول القديس كيرلس: “من الصواب أن يكون رأسنا ومعلمنا في كل عمل صالح… إذا رأيته يصلي، فذلك لكي تتعلم أنت كيف تصلي”. هذا التأسيس يمنح الصلاة الربانية فاعليتها المطلقة، فنحن لا نُصلي بكلمات بشرية مستحدثة، بل بالكلمات التي صاغها اللوغوس ذاته ليرفعنا بها إلى مستوى الآب.
وقد أدركت الكنيسة المبكرة هذا البعد الفائق، فنجد في كتاب “الديداخي” (تعليم الرسل الاثني عشر)، وهو من أقدم الوثائق المسيحية العائدة للقرن الأول الميلادي، أمراً صريحاً بتلاوة هذه الصلاة ثلاث مرات يومياً، مما يعكس تحولها المبكر والعميق إلى قانون إيمان مُصلى يحفظ الهوية المسيحية.
| النص في إنجيل متى (النص الليتورجي المعياري) | النص في إنجيل لوقا | النص في كتاب الديداخي (القرن الأول) |
| Πάτερ ἡμῶν ὁ ἐν τοῖς οὐρανοῖς | Πάτερ | Πάτερ ἡμῶν ὁ ἐν τῷ οὐρανῷ |
| ἁγιασθήτω τὸ ὄνομά σου | ἁγιασθήτω τὸ ὄνομά σου | ἁγιασθήτω τὸ ὄνομά σου |
| ἐλθέτω ἡ βασιλεία σου | ἐλθέτω ἡ βασιλεία σου | ἐλθέτω ἡ βασιλεία σου |
| γενηθήτω τὸ θέλημά σου ὡς ἐν οὐρανῷ καὶ ἐπὶ τῆς γῆς | (غير موجودة في أقدم المخطوطات) | γενηθήτω τὸ θέλημά σου ὡς ἐν οὐρανῷ καὶ ἐπὶ γῆς |
| τὸν ἄρτον ἡμῶν τὸν ἐπιούσιον δὸς ἡμῖν σήμερον | τὸν ἄρτον ἡμῶν τὸν ἐπιούσιον δίδου ἡμῖν τὸ καθ’ ἡμέραν | τὸν ἄρτον ἡμῶν τὸν ἐπιούσιον δὸς ἡμῖν σήμερον |
| καὶ ἄφες ἡμῖν τὰ ὀφειλήματα ἡμῶν ὡς καὶ ἡμεῖς αφίεμεν τοῖς ὀφειλέταις ἡμῶν | καὶ ἄφες ἡμῖν τὰς ἁμαρτίας ἡμῶν, καὶ γὰρ αὐτοὶ ἀφίομεν παντὶ ὀφείλοντι ἡμῖν | καὶ ἄφες ἡμῖν τὴν ὀφειλὴν ἡμῶν ὡς καὶ ἡμεῖς ἀφίεμεν τοῖς ὀφειλέταις ἡμῶν |
| καὶ μὴ εἰσενέγκῃς ἡμᾶς εἰς πειρασμόν, ἀλλὰ ῥῦσαι ἡμᾶς ἀπὸ τοῦ πονηροῦ | καὶ μὴ εἰσενέγκῃς ἡμᾶς εἰς πειρασμόν | καὶ μὴ εἰσενέγκῃς ἡμᾶς εἰς πειρασμόν, ἀλλὰ ῥῦσαι ἡμᾶς ἀπὸ τοῦ πονηροῦ |
تُظهر هذه المقارنة النصية المستندة إلى المخطوطات اليونانية القديمة أن الكنيسة قد تبنت النسخة المتاوية (نسبة إلى إنجيل متى) لتكون النص الليتورجي الدائم، نظراً لشموليتها واحتوائها على جميع الطلبات التي تمس الوجود البشري والتمجيد الإلهي.
لا يُمكن فصل النص الكتابي للصلاة الربانية عن سياقه الليتورجي الدائم والحي في الكنيسة، فالكنيسة الأرثوذكسية تعتبر هذه الصلاة “نموذجاً لا يخطئ وقاعدة لكل الصلوات”، وكما يصفها القديس يوحنا ذهبي الفم، هي “تاج كل الصلوات”. إن الاستخدام الليتورجي ليس تكراراً آلياً، بل هو انغماس واعٍ في مفاهيم التبني والخلاص التي قدمها السيد المسيح.
تتخذ الصلاة الربانية موقعاً إسخاتولوجياً (أخروياً) وسرائرياً فريداً في القداس الإلهي. فهي لا تُتلى في بداية الخدمة أو أثناء قداس الموعوظين، بل تأتي مباشرة بعد استدعاء الروح القدس وتحول القرابين إلى جسد ودم المسيح، وقبل التناول مباشرة. هذا الترتيب الكنسي ليس عشوائياً؛ فبحسب اللاهوت الليتورجي، لا يحق للمؤمن أن يدعو الله “أباً” (Πάτερ) عن استحقاق إلا بعد أن ينال استنارة الروح القدس ويشترك فعلياً في جسد الابن الوحيد. البنوة هنا ليست حقاً طبيعياً لجميع البشر كما تُعلم بعض الفلسفات، بل هي هبة خلاصية تُنال بالمعمودية وتُفعل بالإفخارستيا.
تاريخياً، في الكنيسة الأولى، لم يكن يُسمح للموعوظين (غير المعمدين) بتلاوة الصلاة الربانية أو حتى الاطلاع على نصها الكامل، بل كانت تُسلم لهم سراً (Traditio Symboli) قبل يوم المعمودية مباشرة، لأنها “صلاة مسيحية خالصة” تخص الأبناء المتبنين في الابن الوحيد. لذلك، فإن نطقها في القداس الإلهي هو إعلان صريح عن كمال العضوية الكنسية والاتحاد السري بالله.
تُشكل الصلاة الربانية الهيكل العظمي والأساس المتين لصلوات الأجبية (كتاب السواعي القبطي)، حيث تُفتتح بها وتُختتم كل ساعة من ساعات الصلاة السبع المرتبة على مدار اليوم والليلة. يشير التراث الآبائي والطقسي إلى عدة أسباب ليتورجية ولاهوتية لاستخدام الكنيسة الدائم لهذه الصلاة في صلوات السواعي:
الشمولية والترتيب الإلهي: تتميز الصلاة بأنها موجزة في كلماتها لكنها بالغة الاتساع في معانيها. هي مرتبة ترتيباً إلهياً فائقاً؛ تبدأ بأمور الله (قداسة اسمه، مجيء ملكوته، نفاذ مشيئته) قبل أن تنتقل إلى احتياجات الإنسان (الخبز الجوهري، المغفرة، النجاة من التجربة والشرير)، مما يُعلم المؤمن ترتيب أولويات حياته الروحية، لتكون الأبدية قبل الزمنيات.
ارتباطها المستمر بأحداث الخلاص: كل ساعة في الأجبية ترتبط بحدث خلاصي رئيسي في حياة السيد المسيح. وتلاوة الصلاة الربانية في كل هذه الساعات تربط احتياجات المؤمن اليومية بعمل الفداء المستمر الذي حققه المسيح.
الجماعية ونبذ الأنانية الفردية: تُصلى دائماً بصيغة الجمع، مما يربط المصلي ذهنياً وروحياً بجسد الكنيسة الكلي. فهو يشفع في إخوته حتى وهو يصلي منفرداً في مخدعه المغلق.
التدريب على الوقوف في الحضرة الإلهية: استخدام الأجبية، المتوجة دائماً بالصلاة الربانية، يطيل من بقاء المؤمن في حضرة الله، ويعلمه كيفية التسبيح والشكر وطلب الرحمة بتوازن دقيق، لئلا تتحول صلواته الارتجالية إلى مجرد تكرار باطل أو طلبات مادية أنانية.
| الساعة الليتورجية في الأجبية | الحدث الخلاصي المرتبط بها | الانعكاس اللاهوتي عند تلاوة الصلاة الربانية |
| صلاة باكر (الساعة الأولى) | التجسد، الأزلية، والقيامة المجيدة من بين الأموات |
طلب حلول الملكوت مع إشراقة النور الجديد، وتكريس اليوم للإرادة الإلهية. |
| صلاة الساعة الثالثة | حلول الروح القدس على التلاميذ |
استدعاء روح التبني الذي يُمكّننا من صراخ “أبا أيها الآب”، ونوال القوة لتقديس الاسم. |
| صلاة الساعة السادسة | صلب السيد المسيح والآلام المحيية |
الانكسار أمام الصليب وطلب النجاة من الشرير الذي سُحق على عود الصليب. |
| صلاة الساعة التاسعة | موت المسيح على الصليب وقبول توبة اللص |
طلب غفران الذنوب (كما نغفر نحن) استناداً إلى ذبيحة الصليب الفادية. |
| صلاة الغروب والنوم | الدفن، نهاية الحياة، وترقب المجيء الثاني |
التركيز الشديد على النجاة من التجربة والشرير، والاستعداد للحياة الأبدية والنوم في المسيح. |
| صلاة نصف الليل | المجيء الثاني والمجد الإسخاتولوجي |
صراخ الكنيسة لكي يأتي العريس (ليأتِ ملكوتك)، والاستعداد لنهاية الزمان. |
إن دراسة الصلاة الربانية من خلال عدسات آباء الكنيسة، وخاصة الآباء السكندريين الذين تميزوا بالعمق الروحي واللاهوتي والفهم الإسخاتولوجي، تفتح آفاقاً واسعة لإدراك أبعاد هذه الطلبات السبع. وقد قدّم القديس أغسطينوس أيضاً في كتابه “الموعظة على الجبل” (De Sermone Domini in Monte) تحليلاً فريداً يربط فيه بين الطلبات السبع في الصلاة الربانية، والمواهب السبع للروح القدس (المذكورة في إشعياء 11)، والتطويبات السبع (في متى 5).
تبدأ الصلاة بإعلان لاهوتي يغير مركزية الكون بالنسبة للمؤمن المسيحي. يرى الآباء السكندريون في هذه الافتتاحية فعل “تأليه” (Theosis) و”تبني” بالنعمة المفرطة. يقول القديس كيرلس الكبير متأملاً في هذه العبارة العظيمة في العظة 71 من تفسيره لإنجيل لوقا: “يا للجود الفائق! الله يرفع العبيد إلى كرامة الحرية واهباً لنا بنعمته ما لم نكن نملكه بالطبيعة”. إن المسيح، بحسب القديس كيرلس، قد نقل إلينا ما هو له بالطبيعة، فأدخلنا في مرتبة البنين بالولادة الروحية. وكما أنه في التجسد التدبيري أخذ ما هو لنا (الطبيعة البشرية)، فإنه في المقابل أعطانا ما هو له (البنوة للآب). وهذا التبني يستوجب سلوكاً يتناسب مع كرامة الحرية، إذ يجب ألا نفكر أو نقول شيئاً لا يليق بهذا الآب السماوي، بل نعيش الحياة التي ترضيه تماماً.
من جانبه، يُحلل القديس كليمنت السكندري في كتابه “المربي” (Paedagogus) مفهوم “الأبناء” أو “الأطفال” في المسيحية، رافضاً الفهم الغنوصي المنحرف الذي يحتقر الطفولة الروحية. بالنسبة لكليمنت، المؤمن الحقيقي هو طفل يعتمد كلياً على اللوغوس (المعلم والمربي). البنوة هنا تعني النقاء والبساطة، والارتقاء بالنفس والانعتاق من خطايا العالم. يصف كليمنت المؤمنين الذين يدعون الله أباً بأنهم “يطأون الأرض بأطراف أصابعهم بينما تمتد أرواحهم نحو السماء العلوية”، مبتعدين عن الشهوات الحسية التي تجعل الإنسان يزحف على بطنه كالحيات.
أما استخدام صيغة الجمع (ἡμῶν – أبانا)، فيشير القديس كبريانوس إلى أن الله هو “معلم السلام وسيد الوحدة”، لا يقبل صلاة أنانية منفردة متمركزة حول الذات. وعندما نقول “أبانا”، فإننا نجمع السيد والعبد، الغني والفقير، القائد والجندي، في أخوة متساوية، لأن الميراث السماوي لا ينقص بزيادة عدد الوارثين. ويؤكد القديس أغسطينوس أن الإشارة إلى “السماوات” (ἐν τοῖς οὐρανοῖς) تهدف إلى توجيه بوصلة القلب بعيداً عن الأرضيات والممتلكات الزائلة، لأن النفس ترتاح وتستقر حيث يوجد كنزها الحقيقي، وهذا يُذكرنا بأننا وُلدنا من آدم للموت الأرضي، ولكننا نولد ثانية من الله الآب للحياة السماوية.
هل يحتاج اسم الله الفائق القداسة إلى أن يُقدس بواسطة بشر خطاة؟ يجيب القديس كيرلس الكبير نافياً هذا الفهم الحرفي السطحي، موضحاً في عظته 72 أننا لا نصلي لنضيف مزيداً من القداسة لله، فهذا أمر “سخيف وغير معقول”. بل المعنى اللاهوتي هو: “ليت يُحفظ اسمك مقدساً فينا”. يربط القديس كيرلس ذلك بالنصوص الكتابية (مثل لاويين 10: 3) التي تؤكد أن الله يتقدس في الذين يقتربون منه. علاوة على ذلك، هي صلاة كرازية رسولية، نطلب فيها أن يُعرف اسم الله القدوس ويتقدس في حياة الأمم والشعوب التي لم تحصل بعد على نور الحق ولم يظهر لها بعد أنه قدوس بالطبيعة.
ويذهب القديس أغسطينوس في كتابه “الموعظة على الجبل” إلى ربط هذه الطلبة بمواهب الروح القدس والتطويبات المذكورة في ذات الموعظة. فيرى أن هذه الطلبة ترتبط بموهبة “مخافة الله” (التي هي بدء الحكمة)، وتطويبة “المساكين بالروح”. فبمخافة الله النقية التي تدوم إلى الأبد، يتقدس اسم الله وتتطهر النفس من كبريائها وعجرفتها لتعترف بقداسة الخالق المطلقة وتواضع المخلوق.
الملكوت الإلهي أزلي لا بداية له ولا نهاية، فهو يملأ الزمان والمكان، فلماذا نطلب مجيئه؟ يُفسر القديس كيرلس الكبير هذه الطلبة في العظة 73 من منظور إسخاتولوجي (أخروي) بحت. مجيء الملكوت يعني نهاية العالم الحاضر الفاسد ومجيء الديان العادل. يتساءل كيرلس: هل نطلب مجيئه كديان لدينونة العالم التي هي مرعبة للعقل البشري؟ ويجيب بأن الأشرار يرتعبون من هذه الصلاة ولا يناسبهم أبداً أن يصلوا هكذا لأنهم مرتبطون بملذات العالم. أما القديسون، فإنهم يشتهون مجيء الملكوت بجرأة وثقة، لأنهم يعلمون أنهم سيتمجدون في هذه الدينونة ويتخلصون من فساد العالم الحاضر ليعيشوا بحسب مشيئته الكاملة.
في التقليد الأرثوذكسي، الصلاة الربانية هي نداء صريح لعودة المسيا (المسيح) ونهاية الزمان، وهي تذكير مستمر بأن الحياة الشخصية للمؤمن يجب أن تكون إسخاتولوجية الطابع، أي تعيش الحاضر وعينها شاخصة نحو الملكوت الآتي. أما القديس أغسطينوس، فيربط هذه الطلبة بموهبة “التقوى” وتطويبة “الودعاء”. نحن نطلب أن يحل ملكوت الله علينا الآن لكي نصبح ودعاء فلا نقاوم مشيئته أو نتمرد على أحكامه، تمهيداً لحلول ملكوته النهائي في المجيء الثاني حيث يرث الودعاء الأرض (أرض الأحياء).
تُشير هذه الطلبة إلى السعي الحثيث نحو استعادة التناغم الكوني الأولي المفقود بسبب السقوط. يرى القديس كيرلس (العظة 74) أن تحقيق مشيئة الله على الأرض كالسماء يعني أن نعيش حياة ملائكية خالصة. فالملائكة في السماء ينفذون مشيئة الله بلا تذمر أو انحراف أو تراخٍ. الصلاة هنا هي دعوة لتوقف الخطية من العالم، لكي يحيا الجميع في قداسة وتقوى متماثلين بالجمال الروحي والكمال الملائكي، وهذه هي صميم الحياة بحسب الإنجيل.
يقدم القديس أغسطينوس تفسيراً أنثروبولوجياً (إنسانياً) عميقاً؛ حيث يرى أن كلمة “السماء” في هذه الطلبة ترمز إلى الروح (أو العقل الصالح)، وكلمة “الأرض” ترمز إلى الجسد (أو الشهوات الجسدية المتمردة). الصلاة إذن هي طلب للسلام الداخلي المطلق، حيث يخضع الجسد الأرضي للروح السماوية بالكامل، وتخضع الروح لحق الله (اللوغوس)، لتنتهي حالة الصراع البشري الممزق التي تجعل الإنسان يصرخ مع بولس الرسول: “ويحي أنا الإنسان الشقي!”. وبتحقيق هذا التناغم، يتحقق السلام الذي يربطه أغسطينوس بموهبة “المعرفة” وتطويبة “الحزانى” الذين سيتعزون بالروح القدس الباراقليط بعد أن تخلوا عن الأفراح الأرضية الزائفة.
نصل هنا إلى أعمق نقاط الصلاة الربانية وأكثرها كثافة لاهوتية وجدلاً لغوياً وتفسيرياً: τὸν ἄρτον ἡμῶν τὸν ἐπιούσιον δὸς ἡμῖν σήμερον.
إن الكلمة اليونانية ἐπιούσιος هي ما يُعرف في علم اللغويات اليونانية بـ (Hapax legomenon)، أي كلمة فريدة لا نظير لها، لم تَرِد مطلقاً في أي نص يوناني كلاسيكي، أو فلسفي، أو أدبي قديم آخر سوى في نص الصلاة الربانية في إنجيلي متى ولوقا. هذا الغياب التام للكلمة في الأدب اليوناني الواسع دفع العلامة السكندري أوريجانوس، وهو من أعظم علماء النصوص القديمة، إلى استنتاج قاطع بأن الإنجيليين (أو بالأحرى الكنيسة الأولى بإلهام الروح القدس) قد صاغوا هذه الكلمة صياغة لغوية خاصة ومبتكرة للتعبير عن مفهوم مسيحي فائق السر لا يمكن للغة البشرية العادية أن تحتويه.
انقسم علماء اللغويات وآباء الكنيسة في تحليل جذور هذه الكلمة المركبة إلى اتجاهين رئيسيين، وكلاهما يحمل أبعاداً لاهوتية غنية:
الاشتقاق من οὐσία (الجوهر / الكيان): دعم العلامة أوريجانوس هذا الاشتقاق بقوة انطلاقاً من خلفيته الفلسفية السكندرية. بناءً عليه، الكلمة تتكون من المقطع (ἐπί – الدال على الفوقية أو الإضافة) و (οὐσία – الجوهر). وبذلك تُترجم إلى “الخبز الفائق الجوهر” أو “الخبز الجوهري”. يتبنى هذا المعنى أيضاً القديس جيروم في ترجمته اللاتينية للإنجيل (الڤولجاتا)، حيث ترجمها في متى إلى (supersubstantialem)، مما يعطي للخبز بُعداً يفوق المادة الطبيعية ليلامس الجوهر الإلهي.
الاشتقاق من ἐπιέναι (الغد / الآتي): يشير هذا الاشتقاق اللغوي إلى “الخبز الذي للغد” أو “الخبز الآتي”. يدعم هذا الرأي إشارة القديس جيروم نفسه إلى أنه وجد في “إنجيل العبرانيين” المفقود أن الكلمة العبرية المستخدمة هي (Mahar) والتي تعني حرفياً “الغد”. فيكون المعنى: “خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم”. وهذا يتوافق تماماً مع النظرة الإسخاتولوجية للملكوت الآتي.
تُعد الترجمة القبطية للصلاة الربانية من أقدم وأدق الترجمات في تاريخ الكنيسة، وقد حسمت هذا الجدل اللغوي مبكراً وبحسم لاهوتي مذهل. فالنص القبطي (البحيري) يقول بوضوح تام: ⲡⲉⲛⲱⲓⲕ ⲛ̀ⲣⲁⲥϯ ⲙⲏⲓϥ ⲛⲁⲛ ⲙ̀ⲫⲟⲟⲩ. وكلمة ⲣⲁⲥϯ تعني حرفياً وقاطعاً “الغد” أو “يوم غد”. هذه الترجمة (خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم) ليست تناقضاً منطقياً لغوياً كما قد يبدو للوهلة الأولى للعقل البشري، بل هي قمة اللاهوت الإسخاتولوجي لمدرسة الإسكندرية. إنها تعني عميقاً: “أعطنا اليوم (في زماننا الحاضر المحدود) ذلك الخبز الذي ينتمي للغد (للأبدية وللملكوت الآتي الذي لا يفنى)”. نحن لا نطلب مجرد طعام جسدي يسد رمق الجسد الفاني، بل نطلب من الله أن يُطعمنا مسبقاً بطعام الحياة الأبدية، أي الوليمة المسيانية التي ستُعد في آخر الأيام، والتي نتذوقها الآن كعربون.
تعددت مستويات التفسير الآبائي لهذه الطلبة لتشمل جوانب مادية، سرائرية، وروحية، مكونة لوحة متكاملة للاهوت الخبز:
التفسير السرائري (الإفخارستيا): يتفق القديس كبريانوس والقديس أغسطينوس على أن الخبز الجوهري هنا يشير في المقام الأول إلى جسد المسيح ودمه في سر الإفخارستيا. يقول كبريانوس إن المسيح هو “خبز الحياة” لنا، ونحن نطلب أن يُعطى لنا هذا الخبز “كل يوم” كطعام فعال لخلاصنا، لكي لا نُفصل عن جسد المسيح أو نُحرم من مذبح الرب بسبب خطية أو زلة عرضية. وهذا يتوافق تماماً مع الرؤية القبطية بأن الإفخارستيا هي عربون الحياة الأبدية (خبز الغد الممنوح اليوم).
التفسير الروحي (كلمة الله والحكمة الإلهية): يقول العلامة أوريجانوس إن الخبز الحقيقي (الفائق الجوهر – ἐπιούσιος) هو الذي يقوت “الإنسان الحقيقي” الداخلي المخلوق على صورة الله ومثاله. ولا شيء ينعش هذا الإنسان الباطن أو يُشبعه سوى “الكلمة” (اللوغوس) والحق وحكمة الله العميقة. ويضيف أغسطينوس أن “كلمة الله” التي تُقرأ يومياً في الكنيسة، والتسابيح المقدسة التي تترنم بها هي خبزنا اليومي الضروري لرحلتنا الأرضية وسط برية هذا العالم.
التفسير اللاهوتي المتكامل (تفسير القديس كيرلس الكبير): على الرغم من اعتراض بعض اللاهوتيين في عصره على التفسير المادي/الحرفي (القوت اليومي العادي) بحجة أن المسيح أمرنا ألا نهتم بما نأكل ونشرب، إلا أن القديس كيرلس الكبير يقف موقفاً متوازناً ورعوياً. فهو، كعادته، يميل بشدة إلى التفسير الروحي الإسخاتولوجي (الإفخارستيا وكلمة الله المانحة للحياة)، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد أنه لا لوم البتة على من يفسرها على أنها طلب للقوت الجسدي الضروري، لأن الله الآب يهتم باحتياجات الجسد الذي خلقه ويمنحنا إياها كعطية من صلاحه لكي لا ننهمك في القلق. ومع ذلك، فإن السياق العام للصلاة الربانية، الخالي من أي طلبات مادية محضة، يؤكد أن الخبز المطلوب هنا يفوق المادة ليلامس الجوهر الإلهي.
ويربط القديس أغسطينوس هذه الطلبة العظيمة بموهبة “القوة/الشجاعة” وتطويبة “الجياع والعطاش إلى البر”. فنحن نحتاج بشجاعة فائقة أن نطلب قوتنا الروحي اليومي لكي نُدعم ونُسند وسط محن العالم، ونستمر في جهادنا وجوعنا للبر حتى نصل إلى الشبع الأبدي التام في الأحضان الأبوية.
بعد الانطلاق المجيد نحو السماويات والمطالبة بالخبز الجوهري، تنحدر الصلاة بلطف لتعالج الضعف البشري المحتوم في العالم الساقط، مقدمة روشتة الخلاص اليومية للنفس المجاهدة.
تُعد هذه الطلبة الوحيدة في الصلاة الربانية التي ترتبط صراحةً بفعل بشري وشرط إنساني لا غنى عنه. يستخدم النص اليوناني كلمة ὀφειλήματα التي تعني حرفياً “ديون”، وهو ما يعكس المفهوم اللاهوتي للخطية كدين ثقيل لا يمكن للإنسان سداده بجهده الذاتي. يُعلق القديس أغسطينوس على هذا المقطع بصرامة لاهوتية قائلاً إن الله يضع مصيرنا الأبدي في أيدينا؛ فلكي نتلقى الرحمة الإلهية غير المحدودة والمسامحة عن ديوننا الهائلة، يجب علينا ممارسة الرحمة المحدودة تجاه إخوتنا. ويربط هذه الطلبة بموهبة “المشورة/الفطنة” وتطويبة “الرحماء لأنهم يُرحمون”. إنها قمة الفطنة الروحية والمشورة الصالحة أن يغفر الإنسان لأخيه ديناً صغيراً ليُسقط عنه الديان الأعظم ديناً لا يُقدر بثمن. فبدون غفران حقيقي للإخوة من القلب، تنغلق أبواب الذهن والقلب، وتمتلئ النفس بالمرارة، وتصبح الصلاة عقيمة لا تجد طريقها إلى العرش الإلهي. وقد أكد النص القبطي هذا المعنى باستخدام تعبير ⲛ̀-ⲛⲏ-ⲉⲧⲉ ⲟⲩⲟⲛ ⲛ̀ⲧⲁⲛ ⲉⲣ-ⲱⲟⲩ (أولئك الذين لنا عليهم شيء) مما يؤكد مفهوم التجاوز عن الديون الأخلاقية أو المادية.
لطالما أثارت هذه الطلبة تساؤلات لاهوتية شائكة عبر العصور: هل الله الصالح يُدخل الإنسان في تجربة أو يجربه بالشرور؟ يفسر القديس أغسطينوس كلمة “تُدخلنا” (εἰσενέγκῃς) بمعنى التخلي التأديبي؛ أي “لا تسمح بأن نُقاد إلى التجربة ونسقط تحت سطوتها”. الله لا يُجرب أحداً بالشر، ولكنه قد يرفع نعمته المانعة والحارسة عن الإنسان المتكبر الذي يعتمد على قوته الذاتية، فيتركه يسقط في التجربة بحسب استحقاق قلبه المزدوج لكي يختبر ضعفه ويتضع. ويربط أغسطينوس هذه الطلبة بموهبة “الفهم” وتطويبة “الأنقياء القلب”. فالقلب النقي غير المزدوج، الذي يطلب الخير الأبدي وحده، يُعطى فهماً إلهياً ليميز فخاخ العدو ولا ينقاد وراء التجارب أو الخداع الذي يشتت محبته لله ويجعله يعرج بين الفرقتين. الترجمة القبطية الدقيقة ⲙ̀ⲡⲉⲣ-ⲉⲛ-ⲧⲉⲛ ⲉϧⲟⲩⲛ ⲉ̀-ⲡⲓ-ⲣⲁⲥⲙⲟⲥ تؤكد هذا المعنى التحذيري من الانزلاق إلى داخل (ⲉϧⲟⲩⲛ) التجربة (ⲡⲓ-ⲣⲁⲥⲙⲟⲥ) حيث تفقد النفس إرادتها وحريتها وتصبح أسيرة.
هذه الطلبة هي تتويج لمعركة المواجهة التي يعيشها المسيحي في العالم المنظور. الكلمة اليونانية (τοῦ πονηροῦ) تحتمل لغوياً أن تُترجم كاسم مجرد “الشر”، أو كاسم علم شخصي “الشرير” (الشيطان). يميل التراث الآبائي بشدة، مدعوماً بلاهوت العهد الجديد، إلى المعنى الشخصي. نحن لا نطلب فقط النجاة من الظروف السيئة أو الألم، بل نطلب تدخلاً إلهياً للخلاص من الكيان المظلم الفاعل الذي يسعى بنشاط لفصل المؤمنين عن الله. يختتم القديس أغسطينوس تفسيره بربط هذه الطلبة بموهبة “الحكمة” وتطويبة “صانعي السلام”. فبالنجاة الكاملة من الشرير وأعماله، يتحقق السلام التام الخالي من أي اضطراب أو مقاومة شيطانية، ويصل الإنسان إلى الحكمة الحقيقية التي هي غاية الكمال المسيحي، حيث يخضع كل شيء لله. وفي النص القبطي البليغ ⲛⲁϩⲙ-ⲉⲛ ⲉⲃⲟⲗϩⲁ ⲡⲓ-ⲡⲉⲧϩⲱⲟⲩ، يتضح التوسل القوي لانتزاع وحفظ النفس من قبضة فاعل الشر بقوة تفوق قدرة البشر.
تُختتم الصلاة الربانية في الاستخدام الكنسي الدائم بالذكصولوجية: “لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد، آمين” (ὅτι σοῦ ἐστιν ἡ βασιλεία καὶ ἡ δύναμις καὶ ἡ δόξα εἰς τοὺς αἰῶνας. ἀμήν). رغم أن النقد النصي الحديث يشير إلى غياب هذه الخاتمة في بعض المخطوطات اليونانية المبكرة مثل المخطوطة الفاتيكانية (Codex Vaticanus)، إلا أن إثباتها يعود لأقدم عصور الكنيسة، وتحديداً في وثيقة “الديداخي” (القرن الأول) والدياتسرون لططيانوس (القرن الثاني)، وكتابات القديس يوحنا ذهبي الفم والدساتير الرسولية، مما يؤكد أصالتها الليتورجية المطلقة.
يُبرز القديس يوحنا ذهبي الفم الأهمية اللاهوتية والنفسية العميقة لهذه الخاتمة، معتبراً إياها إعلان ثقة وتمجيد لله بعد سلسلة من الطلبات المرتبطة بالضعف. يقول في شرحه: “إن كان ضعفك متعدد، لكن ثق أنه يملك عليك من له القوة ليتمم فيك كل شيء بسهولة… إنه ليس فقط يحررك من المخاطر التي تقترب إليك، وإنما يقدر أن يجعلك ممجداً وشهيراً”. إن اختتام صلاة مليئة بطلبات النجاة والمغفرة ومواجهة الشرير، بإعلان “أن لك الملك والقوة”، يمحو كل خوف من التجربة أو من مكايد الشرير، لأن الغلبة قد حُسمت سلفاً للملك السماوي الذي يمسك بزمام الكون.
عند استعراض تفسيرات الآباء الكبار للكنيسة الجامعة، يبرز تمايز وتكامل مبدع بين مدرسة الإسكندرية (ممثلة في كليمنت، أوريجانوس، والقديس كيرلس الكبير) والمدرسة الغربية اللاتينية (ممثلة في أغسطينوس وكبريانوس). هذا التكامل ليس تعارضاً، بل هو إضاءة للنص المقدس من زوايا لاهوتية متعددة تغني العبادة الكنسية.
| وجه المقارنة اللاهوتية | المدرسة السكندرية (كيرلس، أوريجانوس، كليمنت) | المدرسة الغربية اللاتينية (أغسطينوس، كبريانوس) |
| التركيز اللاهوتي الأساسي للصلاة | الارتقاء بالنفس لتعاين اللوغوس، التبني الفائق للطبيعة، والتأمل في المعرفة الإلهية العميقة. | النعمة المخلصة، التطهير الأخلاقي العملي، ومصارعة الخطية وضعفات الطبيعة الساقطة. |
| تفسير الخبز (ἐπιούσιος / ⲡⲉⲛⲱⲓⲕ ⲛ̀ⲣⲁⲥϯ) | إسخاتولوجي وروحي بحت (خبز الغد الممنوح اليوم كعربون للملكوت، الكلمة الإلهية، المعرفة التي تقوت العقل الحقيقي). | سرائري وأخلاقي (الإفخارستيا اليومية لحفظ العضوية، والاحتياجات الزمنية المبررة التي تُعطى بنعمة الله لتسند الجسد). |
| مفهوم البنوة لله (Πάτερ) | انتقال أنطولوجي من الطبيعة البشرية العبدة إلى الحرية الإلهية عبر اتحاد الكلمة بالجسد، والولادة الروحية. | الانضواء تحت عضوية الكنيسة الكاثوليكية (الجامعة) كأم، وممارسة الأخوة المتساوية ونفي الأنانية الفردية. |
| مفهوم ليأت ملكوتك (ἐλθέτω ἡ βασιλεία σου) | انتظار دينونة العالم بفرح وثقة لتوقف الفساد وتحول العالم المادي إلى صورته الممجَدة. | تطهير إرادة الإنسان لتخضع لله بالكامل، وارتباطها بالوداعة وعدم المقاومة للتدابير الإلهية. |
| النجاة من الشرير والتجربة | الانتصار على قوى الجهل والظلمة بالمعرفة الحقيقية للوغوس المضيء. | التدخل العنيف للنعمة الإلهية لحفظ الإرادة البشرية الضعيفة من السقوط في براثن الشيطان. |
يُظهر هذا التحليل كيف أن المدرسة السكندرية تنزع دائماً نحو علم الوجود (الأنطولوجيا) وتغيير طبيعة الإنسان من الداخل ليصبح مواطناً سماوياً منذ الآن (رؤية الخبز كعربون للأبدية، والبنوة كشركة في الطبيعة). في حين تركز المدرسة الغربية، متأثرة بالبيئة الرومانية والنزاعات الأخلاقية، على المعترك الأرضي، وضرورة الأخلاق، والجهاد ضد التجربة، وأهمية الكنيسة كمؤسسة توزع نِعم الإفخارستيا والغفران، وكيفية تنظيم العلاقة بين الجسد والروح للوصول إلى السلام الداخلي المفقود.
إن الصلاة الربانية ليست مجرد متتالية من الطلبات الدينية التي تُتلى كواجب طقسي، بل هي خريطة طريق لاهوتية بالغة التعقيد والدقة، وُضعت في أبسط الكلمات ليتمكن العقل البشري، في كل زمان ومكان، من استيعابها والعيش بمقتضاها. من خلال الغوص في التراث الآبائي، تتكشف لنا الهندسة الروحية الفريدة لهذه الصلاة؛ فهي تبدأ بارتقاء النفس نحو السماء (أبانا الذي في السماوات)، وتغوص في تمجيد الثالوث والاعتراف بسيادته المطلقة (قداسة الاسم، حلول الملكوت، تحقيق المشيئة)، ثم تهبط بحنو بالغ لتلمس أعمق احتياجات الوجود البشري، ليس فقط القوت الفاني، بل الخبز الجوهري الفائق الذي لا يفنى (τὸν ἐπιούσιον) المترجم في التراث القبطي بعبقرية لاهوتية فذة إلى خبز الغد الإسخاتولوجي (ⲡⲉⲛⲱⲓⲕ ⲛ̀ⲣⲁⲥϯ).
كما يُظهر التحليل مدى تكامل القراءات الآبائية؛ ففي حين يُحلق السكندريون (مثل القديس كيرلس الكبير والعلامة أوريجانوس والقديس كليمنت) بالصلاة نحو المعاني السرائرية العميقة ورفض التعلق بالماديات والبحث عن المعرفة الحقيقية الكامنة في اللوغوس، يضعنا آباء الغرب (مثل القديس أغسطينوس والقديس كبريانوس) أمام التزاماتنا الأخلاقية الصارمة المتعلقة بالغفران الإلزامي للآخرين لنوال الرحمة، ومجابهة التجارب بشجاعة وفهم روحاني دقيق لمكائد العدو.
تُعد الاستمرارية الليتورجية الدائمة لاستخدام هذه الصلاة، خصوصاً في قلب القداس الإلهي قبل التناول من الأسرار المحيية، وفي كل سواعِ كتاب الأجبية على مدار اليوم، تأكيداً حياً ومستمراً على أن الكنيسة لم تعتبرها يوماً مجرد نص تعليمي، بل هي سر الإدماج المستمر في جسد المسيح. إن كل تلاوة وعيّة لهذه الصلاة هي بمنزلة معمودية يومية مصغرة وتجديد للعهد؛ حيث يُعلن المؤمن خروجه من سيادة الشرير وتجديد بيعته للآب السماوي، طالباً أن يتذوق اليوم طعام الحياة الأبدية المعدّ للغد، ليُثبّت خطواته وسط تجارب الأرض، متوّجاً كل رجائه بإعلان حتمي لا يلين ولا يهتز: لأن لك الملك والقوة والمجد، إلى الأبد. آمين.
| Ⲡⲓⲃⲱⲗ ⲉ̀ⲃⲟⲗ ⲛ̀ⲧⲉ ⲡⲓϩⲩⲙⲛⲟⲥ | |||
| Ⲡⲉⲛ-ⲓⲱⲧ | ـنا – آب (أبانا) | ||
| ⲉⲧ-ϧⲉⲛ | الذي – في | ||
| ⲛⲓ-ⲫⲏⲟⲩⲓ̀ | الـ – سماوات | ||
| ⲙⲁⲣⲉϥ-ⲧⲟⲩⲃⲟ | هو فلـ – يتقدس (ليتقدس) | ||
| ⲛ̀ϫⲉ | أقصد | ||
| ⲡⲉⲕ-ⲣⲁⲛ | ـك – اسم (اسمك) | ||
| ✠ | |||
| Ⲙⲁⲣⲉⲥ-ⲓ̀ | هي فلـ – تأتي (لتأتِ) | ||
| ⲛ̀ϫⲉ | أقصد | ||
| ⲧⲉⲕ-ⲙⲉⲧ-ⲟⲩⲣⲟ | ـك – (أداة اسم المعنى) – ملك (ملكوتك) | ||
| Ⲡⲉⲧⲉϩ-ⲛⲁⲕ | المشيئة – لك (مشيئتك) | ||
| ⲙⲁⲣⲉϥ-ϣⲱⲡⲓ | هو فلـ – يكون (لتكن) | ||
| ⲙ̀-ⲫ̀-ⲣⲏϯ | كـ – الـ – طريقة، نوع (مثل، كما) | ||
| ϧⲉⲛ | في | ||
| ⲧ̀-ⲫⲉ | الـ – سماء | ||
| ⲛⲉⲙ | و | ||
| ϩⲓϫⲉⲛ | على | ||
| ⲡⲓ-ⲕⲁϩⲓ | الـ – أرض | ||
| ✠ | |||
| Ⲡⲉⲛ-ⲱⲓⲕ | ـنا – خبز (خبزنا) | ||
| ⲛ̀ⲧⲉ | الذي لِـ | ||
| ⲣⲁⲥϯ | غداً، المستقبل (الجوهري) | ||
| ⲙⲏⲓϥ | أعطه | ||
| ⲛⲁⲛ | لنا | ||
| ⲙ̀ⲫⲟⲟⲩ | اليوم | ||
| Ⲟⲩⲟϩ | و | ||
| ⲭⲁ | اترك، اغفر | ||
| ⲛⲏ-ⲉⲧⲉ̀-ⲣⲟⲛ | أولئك – التي – علينا (التي علينا) | ||
| ⲛⲁⲛ | لنا | ||
| ⲉ̀ⲃⲟⲗ | عنا | ||
| ⲙ̀-ⲫ̀-ⲣⲏϯ | كـ – الـ – طريقة (مثل، كما) | ||
| ϩⲱⲛ | نحن أيضاً | ||
| ⲛ̀ⲧⲉⲛ-ⲭⲱ | لكي نحن – نترك (نغفر) | ||
| ⲉ̀ⲃⲟⲗ | عن | ||
| ⲛ̀-ⲛⲏ-ⲉ̀ⲧⲉ | لِـ – أولئك – الذين | ||
| ⲟⲩⲟⲛ | يوجد | ||
| ⲛ̀ⲧⲁⲛ | لنا | ||
| ⲉ̀ⲣⲱ-ⲟⲩ | على – ـهم (عليهم) | ||
| ✠ | |||
| Ⲟⲩⲟϩ | و | ||
| ⲙ̀ⲡⲉⲣ-ⲉⲛ-ⲧⲉⲛ | لا (مقطع للنهي) – نحن – (مقطع إضافي) (لا تُدخلنا) | ||
| ⲉ̀ϧⲟⲩⲛ | إلى داخل | ||
| ⲉ̀-ⲡⲓⲣⲁⲥⲙⲟⲥ | πειρασμός | إلى – التجربة | |
| ⲁⲗⲗⲁ | ἀλλά | لكن | |
| ⲛⲁϩⲙⲉⲛ | نجّنا | ||
| ⲉ̀ⲃⲟⲗ | من | ||
| ϩⲁ | من، قدام | ||
| ⲡⲓ-ⲡⲉⲧ-ϩⲱⲟⲩ | الـ – الذي – شرير (الشرير) | ||
| ✠ | |||
| Ϧⲉⲛ | في، بِـ | ||
| Ⲡⲓⲭ̀ⲣⲓⲥⲧⲟⲥ | Χριστός | المسيح | |
| Ⲓⲏⲥⲟⲩⲥ | Ἰησοῦς | يسوع | |
| Ⲡⲉⲛ-ϭⲟⲓⲥ | ـنا – رب (ربنا) | ||
| ϫⲉ | لأن | ||
| ⲑⲱⲕ | لك | ||
| ⲧⲉ | هي | ||
| ϯ-ⲙⲉⲧ-ⲟⲩⲣⲟ | الـ – (أداة اسم المعنى) – ملك (الملكوت) | ||
| ⲛⲉⲙ | و | ||
| ϯ-ϫⲟⲙ | الـ – قوة | ||
| ⲛⲉⲙ | و | ||
| ⲡⲓ-ⲱ̀ⲟⲩ | الـ – مجد | ||
| ϣⲁ | إلى | ||
| ⲉ̀ⲛⲉϩ | أبد | ||
| Ⲁ̀ⲙⲏⲛ | ἀμήν | آمين | |